تابعنا على الوسائط

     

 

 مشاركة السودان في المؤتمر الخامس والعشرون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بجمهورية مصر العربية  اللقاء التفاكري لمعالي وزير الاوقاف المصري مع الائمة والدعاة    سِّرُ اللّيَّالِي   كرسي العلوم الشرعية  مؤتمر دور المؤسسات الاجتماعية في مكافحة الارهاب  دور الاعلام العربي في التصدي لظاهرة الارهاب بالرياض المملكة العربية السعودية 

 أعلام الدعوة    

مبارك قسم الله

كان مبارك قسم الله رحمه الله نموذجاً لرجل الدعوة المثالي الذي حباه الله تعالي بصفات كثيرة أحسها كل من تعامل معه في أي منحي من مناحي الحياة.
يأسرك بتقواه وورعه وتواضعه وبره وأمانته وصدقه وتقشفه وزهده وتفانيه وتجاوزه للصغائر وبعد نظره وشجاعته ومرحه وظرفه فقد كان رجلا أمة.
كانت أبرز ملامح الفقيد مبارك التي عرفتها في السجن أنه رجل عابد كثير القراءة للقرآن ،ويداوم علي قيام الليل ولم يحدث قط أن بادر أحدنا للقيام ليلاً إلا ووجد مباركاً قد سبقه إلى ذلك وكان المرحوم يعتقد صادقاً أن جسده الطاهر بأذن الله لا يحتاج لأكثر من أربع ساعات من النوم، وكان يرجع تلك الطبيعة لوالده الذي كان يمتلك مخبزا في كوستي حيث كان يوقظه يومياً قبل الفجر بوقت كاف ليعطيه كمية من الرغيف يوزعها علي المطاعم ثم يتوجه بعد ذلك إلي المدرسة.[1]
أذكر إننا أثناء وجودنا بالسجن اتفقنا مع المرحوم مبارك ألا نسلم أنفسنا لنقتاد إلي السجن طواعية – وقد تمكن المرحوم ببراعة من خداع أجهزة الأمن، وكان بارعاً في التنكر حتى أنه كان يمثل دور الخادم ليدخل علي قيادة الحركة المعتقلين بمنازلهم.
لقد كان رحمه الله لايأبه بما يأكل أو يلبس – حينما كنا في يوغنده سألته ماذا يريد أن يفعل في يوغندا فقال لي إن أمنيته أن يعمل في مجال الدعوة الإسلامية ولذلك يريد أن يعمل في مجال التدريس وهي المهنة التي تدرب عليها ،وبعد أن تفا كرنا في الموضوع قلت له، إن المرتبات في هذه البلد ضعيفة جداً ولقد عمل محاسباً لشركتي الجديدة التي أنشأتها في يوغندا.( [2])
كانت لمبارك صفات متميزة لايراها إلا من تعامل معه فترة من الزمن
الشيخ-مبارك-قسم-الله
• سلامة القلب حيث لم أعلم لمبارك عدواً ولم أعلم أن مبارك اتخذ عدواً،وكان يتمثل قوله تعالي :" فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت : 34 ) كان لايغضب لنفسه ولا يخاصم إلا في الله .
كان حبه للمؤمنين شديداً وبهم رحيماً.
كان رحمه الله خشن المظهر لكنه لين المخبر رقيق القلب.
كنت أداعبه قائلاً ماهذا المظهر الخشن إلا حماية للباطن الرقيق.
كان مفتاح قلبه أن يُعرف المرء نفسه أنه أخوه في الله ولا يحتاج من بعدها إلي تزكية أو وساطة.
أما الاختلاف في الرأي فلا يفسد للود قضية بل تجده أحسن المستمعين وأحرصهم علي التذكير علي القضايا الأساسية وتجاوز الصغائر والفرعيات.
• كما كان حريصاً علي التدوين والتوثيق لكل شىء – سواء كان مداولات في اجتماع أو معاملات مكتبية أو تجارية لاتثنيه عن ذلك الذرائع الأمنية، وهو الأرهف حساً في النواحي الأمنية، كان طبعه طبع الجندي المثالي ينفذ مايطلب منه بإتقان وإخلاص ولا يعود ليعدد الأعذار والمشاكل يؤدي المهمات الموكلة إليه مهما كلفه ذلك .
• وكان مسئولاً، أذكر انه كان علي متن أحد اللواري التي تحمل أخشاباً للشركة بيوغندا وتعطل اللوري وسط الأحراش والغابات فلم يغادر مبارك وقضي ليلته علي اللوري خشية أن تسرق الأخشاب وأرسل المساعد إلي المكتب لإحضار شاحنة أخري لترحيل الأخشاب.
• كان كثير الفداء والتضحية لايتلفت إلي ما يصيبه من أذي لحق به ومن تجريح في سبيل تحقيق الهدف العام.
تتميز شخصيته بخلوها من العقد وبالثقة الشديدة بالنفس،لذلك كان لايهتم بالقيل والقال بل تراه مندفعاً في عمله وشعاره إن احسن رد للحاسدين هو مزيد من العمل وكان لايجري وراء المناصب ولا يحب الأضواء بل يعمل بصمت ويجلس حيث ينتهي به المقام ولا يتخطي الناس ليتبوأ المكان الأفضل.
• ومن إنجازاته في تلك الفترة أنه نظم الطلبة المسلمين في جامعة (مكرري) وابتعث عدداً منهم للدراسة خارج يوغندا علي نفقة الشركة كما تبنت الشركة أيضاً دفع المصاريف المدرسية لعدد كبير من الطلاب المسلمين في المراحل الدراسية المختلفة.
• كذلك ساهم الفقيد في وضع دستور المجلس الإسلامي اليوغندي في عام 1981 م لتوحيد المسلمين بعد ما اختلفوا وانشقوا إلي مجلسين بعد زوال حكم (عيدي أمين)،حيث قضي المرحوم مبارك قرابة الشهرين في كتابة دستور يجمع شمل الأطراف المختلفة ،والجدير بالذكر أنه عندما شعر بخيبة الأمل في توحيد الفرق المتصارعة من المسلمين في يوغندا حزم متاعه وذهب إلي المطار فإذا بالفريقين يلحقانه وينزلانه من الطائرة حرصاً منهم علي أن لايغادر حتى ينهي مهمته الصعبة.
• وبعد تأسيس منظمة الدعوة الإسلامية تفرغ الفقيد مبارك تماماً كأول مدير لها وكأنه وجد نفسه أخيراً لأنها مثلت له كافة أشواقه وأهدافه تلك التي ذهب إلي يوغندا راجياً تحقيقها ([3]).
دار الحديث بين البروفيسور يوسف الخليفة وبين الشيخ مبارك عن موضوعات متنوعة كان من بينها محاولة للإجابة عن سؤال هو:ماذا كان يمكن أن نقدم لإخوتنا في السودان وفي إفريقيا مما ينبغي أن يعرفوا عن الإسلام ؟..
وانتهي الحديث إلي ضرورة إنشاء منظمة تسمي: المؤلفة قلوبهم.
أو شيئا من هذا القبيل وبعد أيام وجه إلينا دعوة ضمن آخرين لمواصلة الحديث في الموضوع..وتلا الاجتماع اجتماعات .
كانت تتسع المرة بعد الأخرى حتى بلغ عدد المجتمعين في آخر اجتماع تشاوري نحو من ثلاثين في منزل الأخ الشيخ عبد الباسط وانتهي إلي اتخاذ الإجراءات اللازمة لدعوة مجلس الأمناء من داخل وخارج السودان واجتمع مجلس الأمناء في قاعة الصداقة واختار أن يكون اسم المنظمة (منظمة الدعوة الإسلامية)وذلك بعد نقاش وجدل.
كان مبارك أول مدير تنفيذي للمنظمة وكنت في ذلك الوقت أحد أعضاء المكتب التنفيذي للمنظمة.
ومرت علي المنظمة الوليدة بضع سنوات، ومديرها يتقاضى مرتباً مجمداً حتى أصبح من هم دونه أعلي من مرتبه.
وأصر مبارك ألا يزيد مرتبه علي ما كان عليه ونتيجة لضغوط شديدة من المكتب التنفيذي عدل المرتب علي أساس إن المرتب ليس مرتباً شخصياً، وإنه هو المدير التنفيذي. ([4])
كان لمبارك حسن ظن دوماً بالله فيما يبدأ به من أعمال الخير.
وأن الله سيتمها مهما يبدو من قصور في الإمكانات المادية والبشرية في بادئ الأمر ،حدث ذلك لعشرات بل مئات من مشاريع المنظمة ،يتحدث مبارك عن إيواء وكفالة أطفال إفريقيا من اللاجئين والأيتام ،ونحن في مرحلة التخطيط لإيواء وكفالة بعض أيتام السودان ولا ندري بعد كيف نعالج مواردهم أو تقديم ما يحتاجونه من خدمات معاشيه وتعليمية وصحية .
إن بعض النجوم يصل نورها إلينا بعد مئات من السنين الضوئية وحتى إن هوت تلك النجوم يصل ضوؤها من بعدها، وتبدو لنا ساطعة يهتدي بها الناس كذلك الحال بالنسبة للصدقة الجارية..لاينقطع الانتفاع بها ولاينقطع ثوابها من فاعلها وإن غادر هذه الحياة الفانية ..الأخ مبارك نموذج ، بل نجم من تلك النجوم التي هوت وضوؤها لايزال ساطعاً باقياً بيننا. [5]
• الصرامة في التعامل مع الوقت والنظام والضبط والربط والجدية والحذر.
• تشرب فكرة الأمة والشعب منذ الصغر ،إذ أن العسكرية كانت الوعاء الذي تنصهر فيه القبائل والأعراق ،لذا فقد تشرب مبارك فكرة الوطنية والقومية السودانية من خلال تنقله مع والده من الرنك إلي كوستي وغيرها، حتى ذابت وتلاشت تماماً عصبية العرق – ولذا فقد خلت حياة مبارك من نعرة العرقية تماما وأصبح الغالب عليه الانتماء إلي الإسلام فلاهو جنوبي ولاهو شمالي –ولكنه شجرة طيبة تجود بظلها وثمرها لكل من قصده.(أ.د. حسن مكى).
لقد تم تأسيس منظمة الدعوة الإسلامية عام 1979 عقب فترة الانفراج التي صاحبت المصالحة الوطنية والتي أنهت العداء والصراع بين نظام (النميري) والحركة الإسلامية.
وتمثل المصالحة الوطنية فترة هامة في تاريخ عمل الحركة الإسلامية ،إذ غيرت الحركة من خططها وأساليبها ،ولم يعد الخطاب السياسي الاجتماعي والتلويح بشعارات الدستور الإسلامي المشكل الأساسي لمزاج الحركة –ولكن عمدت الحركة إلي العمل الاجتماعي والدعوي والثقافي،وكان من أبرز ركائز العمل في هذه الفترة –منظمة الدعوة الإسلامية التي ترجمت الفكرة إلي مشروع ولم يكن هناك ثمة خلاف أن رجل أفكاره بهذا الحجم هو مبارك قسم الله.
وبدأ مبارك عملياً من لاشي – سوي فكرة واضحة أن المنظمة مشروع إسلامي عالمي لذا يجب أن يتداعي لها الجميع ، البيوت الدينية والشخصيات الخيرية والحركات الإسلامية وكل من يهمه أمر الإسلام في إفريقيا –لذا فلا عجب ،أن نشاط مبارك في عرض فكرة المنظمة لأهل الخير ورجال الدعوة في العالم الإسلامي وعلي الأخص في الخليج ،ونجح مبارك أيما نجاح في تسويق الفكرة وأصبح للمنظمة هياكلها الإدارية من مجالس الأمناء ومجلس إدارة ومدير تنفيذي ومكاتب للدعوة في السودان وإفريقيا ومكاتب للتمويل ومدارس وشركات ودور عبادة مما يحتاج عرضه إلي مبحث خاص ،ومهما يكن فإن مبارك كان يعرف أن إنشاء المشاريع المنظمة ليس صعباً ولكن الأصعب هو تسييرها والمحافظة عليها وإعطائها قوة الدفع الثابتة التي تؤمن لها استقلالية الحركة وإمكانية التطور.
امتدت همة مبارك من مجال الدعوة والتعليم إلي مجال البحث، فأسس معهد إعداد الدعاة والبحوث ،أما في مجال البحوث ،فقد اهتم بقضايا النازحين وكان من أول إصدارات المعهد ذلك السفر القيم بعنوان قضايا النازحين في العاصمة المثلثة أو الهروب إلي الهامش والذي شارك في تحريره أمين حسن عمر وعبد العظيم سليمان المهـل وشخصي، ثم تتالت الإصدارات عن التبشير الكنسي وعن الصهيونية وغيرها من مجالات البحث التي تهم المسلمين وكان يولي هذا المعهد عناية خاصة وكان يريد أن يقضي فيه بقية عمره بعد أن يتفرغ من أعباء العمل الحكومي والوظيفي – لذا أصر أن يرتبط بوظيفة في المعهد رغم أن مشاغل وأعباء منظمة التنمية الوطنية لم تكن تترك له حتى الدقائق المعدودة ولكنه كان يحمل مشروعاً ضخماً بين جنبيه من إعداد الدعاة والبحث والكتاب وكان يريد أن يكسب الوقت حتى يتفرغ لهذا العمل .
لم يكن مبارك رجل دعوة ودولة فحسب بل كان رجل أسرة حيث تعهد أسرته بالرعاية وبادلهم الحب والتقدير وله من زوجته الأولي (بدرية) عدة أبناء ذكوراً وإناثاً تزوج منهم من تزوج وواصل ترقياته الأكاديمية في أمريكا وغيرها وله من زوجته الثانية (بدرية كذلك)طفلة صغيرة نسأل الله سبحانه وتعالي أن يحفظها ويحفظ جميع إخوتها وينزل بركته علي أسرته وعلي مشاريعه وعلي من كان يعولهم ،ونسأل الله أن يبارك مسعى مبارك حتى تظل شوكة الإسلام غالبة.
مبارك الإداري كان مدرسةً في الإدارة يعرف كيفي يلقي محاضراته علي تلاميذه دون أن يملوا من الدرس.
فقد ولد ليكون قيادياً متفرداً وإدارياً ناجحاً منذ صغره وهو كان يأمل أن يكون عوناً لحركة تغيير إسلامية تملأ العالم كله ،كان مسئولاً عن والده وأسرته يدرس ويساعد في تحمل أعباء المعيشة مع والده بالعمل معه في فرنه مما أكسبه قوة وصلابة ومعرفة بكيفية كسب الناس ومعرفة أمزجتهم فكانت هذه التجربة الصغيرة مكسباً كبيراً للحركة الإسلامية جعلته يتحمل كل ما يعانيه من متاعب ومصاعب اعترضت طريق الدعوى .
الأستاذ المرحوم مبارك قسم الله طيب الله ثراه من الأخوة والآباء المثابرين والمخلصين في العمل الطوعي .
ومعرفتنا له بعلاقته الطيبة بالجمعية الإفريقية ويداه الطولي في العمل وسط الشرائح المستضعفة الأيتام والنازحين والمتشردين وصولاته التحويلية في الأدب الاجتماعي.
اتجه المرحوم في تناوله لهذه القضايا منحي وسط بين المثالية والأخلاقية وكان ديدنه الحماس للقضاء علي قضية المتشردين "استوصوا بالمتشردين ففيهم بذرة الخير".
كان يعالج المشاكل الاجتماعية لكثير من الأسر والأطفال وما يصاحبهم من أزمات يهتز لها كيان الأسرة..وكان يتفقد التجمعات العشوائية من أسر الأطفال ويعيش مآسيهم في الحصول علي الماء والكلأ وتشهد أمبدة وزقلونة علي مواقفه الكريمة.
كان من المبادرين بالجمعية الإفريقية لحل مشكلة التشرد ،وتنازع مع كثير من المؤسسات المختلفة في أماكن إيواء وتأهيل المتشردين وكان له السبق في اختيار معهد ابن عمر لتعليم اللغة العربية بالثورة أمدرمان ليكون داراً لتأهيل ورعاية المتشردين واختار اسم البشائر عام 1987 حيث أشرف علي المشروع بنفسه بتمويل من دولة (الكويت) .
تمت علي يده رعاية وتأهيل اجتماعي ونفسي وأكاديمي لحوالي 90 طفلة حيث أشرف علي تخريجهن وإخراجهن إلي أسرهـن علي مستوي الولايات فكانت للمرحوم ملكة فنية في التعامل مع هذه الشريحة وتأثير وجاذبية في المخاطبة والتوجيه ويغرس القيم والخصال الحميدة وكم يشق عليه أن يري منهم من تسوء أخلاقه ولكن لا يدخله اليأس من إًصلاحهم يوماً وسرعان ما يتدارس مشكلاتهم وسلوكياتهم بالروح الطيبة مستعيناً بعمله التربوي تعلوه ابتسامة فهو صديق الصغار ومرشد لهم للخير ويداعبهم في الميدان فيعرفون منه أدب الملاعب ويناظرهم في الجمعيات فيتعلمون منه أدب الحديث فيعرفونه في مناطق التدريب المهني والحرفي ورشة دان فوديو للتجارة أمدرمان – معهد القرش الصناعي المنطقة الصناعية أمدرمان.
حوار مع أحد المتشردين
مبارك قسم الله هو أبونا وعلي يده نحن تركنا كل شي كعب وقدر ربنا وقعنا في يده وأنقذنا من حياة الشارع ووفر لنا المسكن والمأوي وكان يصل لأهلنا في كل مكان وكان لازم يعرف مشاكلنا عشان يساعد أهلنا وساعدنا في المدرسة،وكان يشجعنا في التعليم وكان يدفع لينا الرسوم دون تردد ويساعدنا في الاستقرار مع أسرنا وكان يقول لينا بشائر ليس المكان الطبيعي لحياتنا ويساعدنا في تصحيح أي كلام غلط في رأسنا ويدينا كلام جميل ودائماً يقول لينا الزول يكون صادق وأمين وعارف يفكر في مستقبله ومستقبل إخوانه مهما وجد من مصاعب ومشاكل.
كثيراً ممن عرفوا مبارك إما عرفوه من بوابة العمل الإسلامي في الحركة الإسلامية التي كانت تمثل تلك الصفوة الممتازة من شباب الإسلام في عقد الأربعينات والتي كان يمثل صفوتها نفر كريم من جميع أقاليم السودان يمثلون الأمل الذي لايخيب والفجر الصادق الذي يمثل عودة الأمة الي دينها وعقيدتها وأصولها والتي غربها الاستعمار عنها فكانوا قلة قليلة ،تذكر بغربة الصدر الأول الذين قال فيهم رسول الله: (صلي اله عليه وسلم) (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) فأذكر من هؤلاء الغرباء علي اختلاف أعمارهم وجهاتهم وبدون نظام علي طالب الله بالقطينة،علي الفكي محمود عبد الله عبد الدافع و بالدويم وكوستي ،سليمان وهبي ويوسف العوض بربر ،محمد توم و مبارك قسم الله ،أحمد التجاني صالح ،مأمون محمد إبراهيم ،والطيب زين العابدين بالجزيرة ،عبد الرحمن عبد السلام شيخ الجيلي أحمد المكي بالنهود ،الهادي بخاري ،والناير أحمد الحبيب ،واحمد التجاني عمر ومحمد بيلو،عبد القادر عيسي وجعفر ميرغني وإسماعيل حسن حسين ،وحسن أحمد حسن وسليمان سعيد ،عباس الخضر،الصادق عبد الله عبد الماجد،وعلي عبد الله يعقوب والتجاني سعيد وغيرهم من الصفوة ممن نكاد نعدهم علي رؤوس الأصابع من فتية الإسلام الذين كان الواحد منهم يمثل أمة قبل أن ينعم علي السودان بالفتح المبين ،لم أختبر مبارك قسم الله في مجال الحركة الإسلامية فحسب بل إختبرته في مجالين كان لي بهما إلتصاق وإلمام([6]).
إضراب طلاب المعاهد الدينية
كان إضراب طلاب المعاهد الدينية المشهور سبباً في الاعتراف بشهادة المعاهد الدينية وميثاق الكلية الإسلامية وكان من وراء هذا الإضراب الأستاذ مبارك قسم الله وإخوته من نقابة معلمي المعاهد حيث استمر الإضراب لمدة عام كامل وكانت قضية شهادة المعاهد الدينية محل إهمال من قادة الأحزاب لان النهج العلماني كان يسطر عليهم وعلي أفكار جميع قادة الأحزاب التقليدية بلا استثناء.
وإحقاقاً للحق لانسي الذين ناصروا قضية الثقافة الإسلامية وساندوا قيام الكلية الإسلامية والتي تطورت إلي جامعة تمخض عنها هذا الصرح العظيم جامعة أمدرمان الإسلامية أن نذكر بالخير والتجلة الرئيس الراحل إسماعيل الأزهري والذي كان رئيس أول مجلس للجامعة الإسلامية وكان مبارك قسم الله صاحب القدح المعلي في الاعتراف بشهادة المعاهد الدينية والكلية الإسلامية والتي تطورت إلي الجامعة الإسلامية ففي كل المراحل كان لمبارك قسم الله الفضل في ذلك .
كما تحصل من رجالات حزب الشعب الديمقراطي السيد / بدوي مصطفي صاحب الوقفة التاريخية التي لاتنسي في مناصرة قضية الثقافة العربية والإسلامية في السودان وكما قال النبي صلي الله عليه وسلم (تجدون الناس في هذا الأمر معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) فقد كان الوزير احمد سليمان وهو ممثل الحزب الشيوعي له موقف عظيم عندما عرضت قضية المعاهد الدينية علي المجالس قال السيد رئيس مجلس الوزراء إن الوقت قد إنتهي وانه يريد أن يرفع الجلسة فقام أحمد سليمان وأقسم بالطلاق إلا وأن تنظر قضية المعاهد الدينية والكلية الإسلامية فألزم الجميع بنظر القضية واستصدر القرار بالاعتراف بالشهادة وقيام الكلية.( [7])
كان لمبارك الاهتمام الخاص بالمرأة والمرأة الداعية وكان أكثر ميولاً نحو مسلمي الجنوب وكان يعتبر المرأة والجنوب مستضعفين بل كان يسميها الدوائر المستضعفة .
كان بعيد الرؤى عميق التفكير يخطط للمسيرة وكان يري مواطئ أقدامه في المستقبل .
حدثني عن رؤيته في منظمة الدعوة الإسلامية ومستقبلها في خياله في عام 1980 وكأنه يصف واقعنا بهذا الحجم المترامي في عام 1997 بل ولديه مزيد من المساحات لم تسعفه المنية لإتمامها ...كانت رايه وهو يفكر في تأسيس في تأسيس المجلس الأفريقي للتعليم الخاص أن ينتشر المجلس خلال فترة وجيزة ليعم ولايات السودان ودول إفريقيا وينفذ للقيام بدوره لإنقاذ الأقليات المستضعفة في أمريكا وأوروبا.
وتجربته التي تمثلت في دار المتشردين بشائر والتي أهلت الكثيرين منهم كتجربة نموذجية بل أول تجربة إسلامية منافسة للتجربة الكنسية التي كانت تخطف هؤلاء الأطفال وتنصرهم ولكن مبارك بجهوده الشخصية أصبح نداً عنيداً أفرز توجها فريدا لاتزال آثاره قائمة حتى اليوم فقد أوجد لهم دعامة ثابتة من الدول الشقيقة ويزورهم ليلاً ونهارا ويمازحهم كأب حنون عطوف حتى التفوا حوله وأحسوا بالاطمئنان ولاتزال ذكري كفاحه ماثلة للعيان ،هذه حقيقة لمسناها من خلال ملاقاتنا لمن أفلح في إصلاح حاله وانتظم في حركة المجتمع.
الرأي الواضح الصريح ،التعالي فوق الخلافات والتوافه ،الصبر علي الخطة والتدبير الكيس والتفرغ الذي يجمع قلب المرء وهمه ويبذل وقته وطاقته ،كان ذلك عتاده يقطع به المفاوز والمراحل ،حتى بوركت حياته فكانت كأنها حياة أشخاص عديدين جمعت في رجل واحد،ومع كل ذلك كانت في مبارك خلة لاتجدها في المسئولين إلا نادراً وهي تلك العلاقة الشخصية الحميمة التي تربط بينه وبين أصدقائه وإخوانه حتي يري كل واحد منهم أن صلته بمبارك كلها خصوصية من دون الناس ...حتي الأطفال ،أبناء أصدقائه يهشون لمقدمه ويداعبونه ويحسون في شخصيته بلمسة خاصة ،لعله كان ولياً من أولياء الله ([8] ) .
في مايخص عمله في الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية كان الأخ مبارك مثالاً للرجل الصبور علي دراسة الأوضاع الحالية والتخطيط للمآلات المستقبلية وما يستتبع ذلك من جهد بشري ودعم مالي فرغم ثقته الغالية في المستقبل الواعد في عملنا إلا أنه كان يخضع هذه الأماني والتطلعات لما يرصده الواقع المعاش وما يتطلبه من دعم مالي وبشري ،وقد شاهدت صورة عملية لهذا التخطيط والدأب في مشروع حنان بشرق السودان والذي بدأ فكرة صغيرة ثم انطلق ليصبح عملاقاً وشاهدته أيضاً في مشاركته لنا التخطيط لما كن نسميه بالانطلاقة الإفريقية للوكالة الإسلامية .
إداري علي رأس منظمة دعوية
وقد لمست من هذا المجال الإخلاص والتفاني في العمل وإن كان علي الدوام يضرب المثل بنفسه في الملبس المتواضع والسكن المتواضع حتى لايكون نشاط الداعية عبء كبيراً علي ميزانية المنظمة والمرتب المتواضع وكان هذا السبب الذي أقنع الكثيرين من المتبرعين بصدق عمل منظمة الدعوة وأدت إلي زيادة حماسهم للتبرع لها مطمئنين أن أموالهم ستصرف في المقاصد الدعوية التي يبتغونها ،أما علي مستوي إدارة الأفراد فقد كان ميالاً لأن ينشي علاقات أخوية فردية مع من يعملون معه وان يستفيد من خبراتهم وعملهم من خلال اللجان التنفيذية والفنية التي تعمل داخل المنظمة ومستفيدا أيضاً من الخبرات الخارجية التي لم تتوفر له داخل المنظمة.
النظر الإستراتيجي عند مبارك
عرف الشيخ مبارك قسم الله بأنه رجل عملي يميل إلي العمل الميداني والي تحقيق إنجازات فعلية ملموسة كان دأبه أن يعطي العمل الذي يوكل إليه كل جهده الذهني والعضوي –لاينصرف عنه إلي اهتمامات جانبية ،حتى يحقق النتيجة العملية التي يرجوها ومن أكبر الإنجازات التي حققها الشيخ مبارك –رحمه الله –هو إنشاء منظمة الدعوة الإسلامية ووصيفتها الوكالة الإسلامية للإغاثة ،لقد بذل جهداً خارقاً علي مدي السنوات الطويلة حتى تحولت الخطط والمشاريع التي كانت علي الورق في مطلع 1980 إلي مؤسستين رائدتين في مجال الدعوة والإغاثة ليس في السودان فحسب بل علي مستوي العالم الإسلامي ،بالطبع لم يقم مبارك بهذا الجهد لوحده بل كانت معه ثلة خير من رجال وشباب الحركة الإسلامية.
هذه الصورة التي عرف بها الشيخ مبارك كرجل عمل وإنجاز صحيحة ولكنها ليست كل الحقيقة فقد تميز أيضاً بأنه صاحب نظر إستراتيجي طويل المدى وهي صفة لايتمتع بها معظم الحركيين العاملين، فأن طبيعة الإنجاز العاجلة تغلب عليهم ،علي حسب النظر الثاقب في المدى البعيد فقد أدهشني هذا الجانب من شخصيته في مرات كثيرة وسأستشهد في هذا المقام ببعض الأمثلة "مشروع تنسيق العمل الإسلامي في إفريقيا لقد تبين لمبارك بعد أن أمضي ثلاث سنوات فقط كمدير تنفيذي لمنظمة الدعوة الإسلامية إن العمل الإسلامي في إفريقيا يعاني من قصور شديد في مجال توفر المعلومات عن واقع البلاد الإفريقية وعن وضع المسلمين فيها كما يعاني من ضعف آليات العمل الإسلامي وعدم مواكبتها لظروف العصر ومن انعدام التخطيط والتنسيق بين الهيئات العاملة في ميدان الدعوة الإسلامية في إفريقيا؛
استصدر مبارك من مجلس أمناء المنظمة قرار في يونيو 1983 يقضي بقيام مؤتمر للهيئات التبشيرية الإسلامية في إفريقيا يدعي له عدد محدود من العاملين والعلماء ليخرج بإستراتجية دقيقة للعمل الإسلامي في القارة خلال الخمسة أعوام القادمة ولما كان مجلس أمناء المركز الإسلامي الإفريقي –جامعة إفريقيا العالمية حالياً .
قد اتخذ قرار مشابهاً فقد روئي أن تتعامل المؤسستان في ذلك المشروع ومن ثم خرج إلي النور مشروع تنسيق العمل الإسلامي في إفريقيا "في منتصف 1983 وما زال مستمرا إلي اليوم يقوم المشروع بجمع معلومات دقيقة وشاملة عن الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية من كل بلد إفريقي لتحليل هذه المعلومات بواسطة فريق من الخبراء والمختصين تبني عليه إستراتيجية عمل إسلامي طويل المدى في كل الجمعيات الإسلامية المحلية والهيئات العربية العاملة في إفريقيا لتضع أولويات العمل وتنسيق الجهود فيما بينها .
تحمس الشيخ مبارك لهذا المشروع وبذل فيه جهداً طيباً وقد حضر بنفسه معظم اجتماعات اللجنة المشرفة عليه ولم يبخل بمساهمة مالية مقدرة لميزانية المشروع ،كان مدركاً،أن آفة العمل الإسلامي هي العشوائية ،وضعف الإدارة وقلة التنظيم والتنسيق وضعف المعلومات لدي العاملين .(أ. د. الطيب زين العابدين)
الرجل جبل شامخ أشم لايعرف الاهتزاز لذلك لانملك إلا أن نشارك شاعرنا عبد الله بن أيوب التيمي وهو يبكي القائد (منصور بن زياد) حين قال معجباً :

أما القبور فإنهن أوانسن

بجوار قبرك قبور

والناس مأتمهن عليه واحد

في كل دار رنة وزفير

عجباً لأربع أذرع في خمسة

في جوفه جبل أشم كبير([9])

رحم الله مباركاً فقد امتدت أياديه البيضاء إلي كل الأعمال الناجحة في دنيا العمل الإسلامي –المؤسسات المصرفية ،دان فوديو، جامعة إفريقيا العالمية وكان مبارك ينظر إلي نفسه جندياً ينتظر إشارة الميدان عمل مع الشهيد أبي قصيصة بتفان وإخلاص ثم ورثه في مؤسسة السلام والتنمية وأصبحت في أيامه تملك شبكة ضخمة من أساطيل النقل والشركات والمكاتب. ( [10])

كيف البكاء على مبارك

حملوك مئذنة تعانق

قمة فوق السحاب

حملوك مئذنة تلوح

وحيدة بين القباب

غرسوك يا شيخي الجليل

شتلوك في قلب التراب

أكرم به هذا التراب

وآه من هذا التراب

قد كنت فينا مصحفاً

تمشي بآيات حسان

قد كنت فينا مسجداً

يشدو مع الفجر القرآن

قد كنت مسبحة تذكرنا بها

كيف الصلاة علي الرسول

قد كنت سيفاً مصلتاً

ضد التسيب والخمول

يا فارساً ملك الشجاعة

حين تحتار العقول

إن العزائم في أفول

والمجد بعدك في أفول

كيف البكاء علي مبارك

وهو موفور الصفات

عجزت حروفي جملة

في وصفه صارت موات

قد كنت للإسلام قلباً

نابضاً بالمكرمات قد كنت في الجلي شموخاً

كالجبال الراسيات

علمتنا معني الثبات

علمتنا معني الثبات

من لليتيم إذا اشتكي

في ظلمة الليل البهيم

من للأرامل والحيارى

في دهاليز الهموم

من كان غيرك بالمآسي

المحدقات بهم عليم

النجم أضحي كاسفاً

بالحزن منطفئ البريق

فقد الحديث معبراً

بالمنطق الجزل الأنيق

أتري العروبة بعد فقدك

هل تحظي بالعوض

والقارة السمراء كنت طيببها

تشفي العليل من المرض

فهل ستحظي بالعوض

يآيها الشيخ المجاهد

يامنبع الزهد النبيل

أوليس قد علمتنا بالحق

جيلا بعد جيل

كيف نفعل إن تأملنا

وحار بنا الدليل

وكيف بالإيمان نزداد

وبالصبر الجميل

وها نحن نعمل بالوصية

أيها الشيخ الجليل([11] )

رحم الله الداعية المجاهد الشيخ المبارك فقد توفى صباح السبت 26 ذي الحجة 1417 هجرية في الحارة الثانية بمدينة الثورة وتم تشييعه ودفن في مقابر البكري وقد حضر مراسم الدفن كبار رجال الدولة وجموع غفيرة من مواطني المدن الثلاث وظل مئات الآلاف يحضرون إلي سرادق مأتمه في ذلك الميدان الفسيح رغم أنه كان من عامة الناس والبسطاء والذين يعملون لمصلحة الفقراء والمساكين ،ولقد رأيت الكثير من الرجال يذرفون الدموع السخية في المقابر وفي سرادق مأتمه وكل شخص من هؤلاء الناس يحدثك عن قصة أو موقف عن الشهيد مبارك تدل علي معاملة حسنة أو مساعدة أوعطف أو وقفة في محنة من الشهيد مع ذلك الشخص .
ألا رحمه الله رحمة واسعة وجعل الفردوس الأعلى مثواه وجعل سيرته وأسلوبه نبراسا لرجالات الحركة الإسلامية التي باتت تتقاذفها الأمواج المتلاطمة ولفها ظلام دامس وجثت على ركبتيها تستغيث بأبنائها الذين لم يستقيموا على الصف فاختلفوا فاختلفت قلوبهم ، فأنى لهم بأمثال مبارك وعبدا لسلام رحمهما الله.


 
التعليقات
 

 
 
 
 
 
 

البريد الألكتروني

 

 

تابعنا على الوسائط

     

الأسئلة المتكررة

مكتبة الوسائط

عداد الزوار

43477

قضايا دعوية

ندوات

نجاحات

أعلام الدعوة

مجلة مشتركات

ركن الأسرة والطفل

المنتدى

خطب الجمعة

خدمات إلكترونية

الرئيسية

عن المجلس

المشروعات

الأخبار

بحوث ومقالات

مؤسسات دعوية

مكتبة الوسائط

مواقع ذات صلة

مطبوعات

اتصل بنا

English

^ أعلى الصفحة

 
 

كل الحقوق محفوظة للمجلس الأعلى للدعوة الإسلامية © 1437    إتفاقية استخدام الموقع      لمسة الهندسية